الشيخ محمد رشيد رضا

113

الوحي المحمدي

تواصيهم بما حكاه اللّه تعالى عنهم في قوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [ فصلت : 26 ] . وقد أدرك هذا فلاسفة فرنسا « 1 » ؛ فذكر في كتاب له قول دعاة النصرانية إن محمدا لم يأت بآية على نبوته كآيات موسى وعيسى ، وقال في الرد عليهم : إن محمدا كان يقرأ القرآن خاشعا أواها متألها فتفعل قراءته في جذب الناس إلى الإيمان ما لم تفعله جميع آيات الأنبياء الأولين . ( أقول ) : ولو كان القرآن ككتب القوانين المرتبة وكتب الفنون المبوبة ، لما كان لقليله وكثيره من التأثير ما كان لسوره المنزلة . ومن الشواهد الكثيرة على صحة قول هذا الفيلسوف ما روى أن كبراء قريش اجتمعوا فقالوا : انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا وشئت أمرنا وعاب ديننا ، فليكلمه ولينظر ما ذا يرد عليه ، فقالوا : ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة ، فقالوا : أنت يا أبا الوليد فجاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم فكلمه فيما قالوا عنه ، وما يخافون من عاقبة أمره أن يفضى إلى قيام بعضهم على بعض بالسيوف ، وعرض عليه كل ما يمكن أن يريده من المال والرئاسة والتزوج بعشر من خير نساء قريش ، حتى إذا أتم كلامه تلا عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلم سورة فصلت حتى بلغ قوله تعالى : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [ فصلت : 13 ] ، قام عتبة فأمسك على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه . فلما رجع إليهم وجدوه متغيرا فقالوا قد صبأ ( أي مال ) إلى محمد وقص عليهم خبره وما وقع من الرعب في قلبه من قراءته . ومما قاله : وقد علمتم أن محمدا ، إذا قال شيئا لم يكذب ، فخفت أن ينزل بكم العذاب . وفي رواية أنه قال : « كلمني بكلام واللّه ما سمعت أذناي بمثله قط فما دريت ما أقول له » أ - ه . مختصرا من رواية المحدثين وهو مفصل في السير النبوية . كان كل ما يطلبه النبي صلّى اللّه عليه وسلم من قومه أن يمكنوه من تبليغ دعوة ربه بتلاوة القرآن على الناس وإذ قال تعالى مخاطبا له : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ

--> ( 1 ) رأيت شيخنا الأستاذ الإمام محمد عبده ؛ يطالع في كتاب قال لي إنه لأحد فلاسفة فرنسا وأسمعنى منه ما ذكرت خلاصته هنا ، ولم أحفظ اسم الكتاب ولا اسم مؤلفه منه ، وقال إن الكلمة التي وصف بها النبي صلّى اللّه عليه وسلم في حال القراءة تدل على أنه كان متأثرا في نفسه ومؤثرا في غيره ، وأنه لا يعرف كلمة عربية بمعنى هذه الكلمة الفرنسية .